الشوكاني

318

فتح القدير

والأمر أنه لا يظلمهم ، ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة الواقعة خبرا لقوله ( ذلك ) وهي ( بما قدمت أيديكم ) أي ذلك العذاب بسبب المعاصي ، وبسبب ( أن الله ليس بظلام للعبيد ) لأنه سبحانه قد أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وأوضح لهم السبيل ، وهداهم النجدين كما قال سبحانه - وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون - قوله ( كدأب آل فرعون ) لما ذكر الله سبحانه ما أنزله بأهل بدر أتبعه بما يدل على أن هذه سنته في فرق الكافرين ، والدأب : العادة ، والكاف في محل الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف : أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون ( والذين من قبلهم ) . والمعنى : أنه جوزي هؤلاء كما جوزي أولئك ، فكانت العادة في عذاب هؤلاء كالعادة الماضية لله في تعذيب طوائف الكفر ، وجملة قوله ( كفروا بآيات الله ) مفسرة لدأب آل فرعون : أي دأبهم هذا هو أنهم كفروا بآيات الله ، فتسبب عن كفرهم أخذ الله سبحانه لهم ، والمراد بذنوبهم : معاصيهم المترتبة على كفرهم ، فيكون الباء في " بذنوبهم " للملابسة : أي فأخذهم متلبسين بذنوبهم غير تائبين عنها ، وجملة ( إن الله قوي شديد العقاب ) معترضة مقررة لمضمون ما قبلها ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى العقاب الذي أنزله الله بهم ، وهو مبتدأ وخبره ما بعده : والجملة جارية مجرى التعليل لما حل بهم من عذاب الله . والمعنى : أن ذلك العقاب بسبب أن عادة الله في عباده عدم تغيير نعمه التي ينعم بها عليهم ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) من الأحوال والأخلاق بكفران نعم الله وغمط إحسانه وإهمال أوامره ونواهيه ، وذلك كما كان من آل فرعون ومن قبلهم ومن قريش ومن يماثلهم من المشركين ، فإن الله فتح لهم أبواب الخيرات في الدنيا ومن عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فقابلوا هذه النعم بالكفر فاستحقوا تغيير النعم كما غيروا ما كان يجب عليهم سلوكه ، والعمل به من شكرها وقبولها ، وجملة ( وأن الله سميع عليم ) معطوفة على ( بأن الله لم يك مغيرا نعمة ) داخلة معها في التعليل : أي ذلك بسبب أن الله لم يك مغيرا الخ ، وبسبب أن الله سميع عليم يسمع ما يقولونه ويعلم ما يفعلونه . وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف ، ثم كرر ما تقدم ، فقال ( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ) لقصد التأكيد مع زيادة أنه كالبيان للأخذ بالذنوب بأنه كان بالإغراق ، وقيل إن الأول باعتبار ما فعله آل فرعون ومن شبه بهم ، والثاني باعتبار ما فعل بهم ، وقيل المراد بالأول كفرهم بالله ، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء ، وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تعسف ، والكلام في ( أهلكناهم بذنوبهم ) كالكلام المتقدم في فأخذهم الله بذنوبهم ( وأغرقنا آل فرعون ) معطوف على أهلكناهم عطف الخاص على العام لفظاعته وكونه من أشد أنواع الإهلاك ، ثم حكم على كلا الطائفتين من آل فرعون والذين من قبلهم ، ومن كفار قريش بالظلم لأنفسهم ، بما تسببوا به لعذاب الله من الكفر بالله وآياته ورسله وبالظلم لغيرهم ، كما كان يجرى منهم في معاملاتهم للناس بأنواع الظلم . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ) قال : الذين قتلهم الله ببدر من المشركين . وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : قال رجل يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشوك قال : ذلك ضرب الملائكة . وهذا مرسل . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( وأدبارهم ) قال : وأستاههم ، ولكن الله كريم يكنى . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) قال : نعمة الله : محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنعم الله به على قريش فكفروا فنقله الله إلى الأنصار .